![]() |
|
بسم الله
الرحمن الرحيم الحمد
لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير
خلقه وسيد المرسلين آبي القاسم محمد صلى
الله عليه وعلى آله المنتجبين وعلى جميع
أنبياء الله المرسلين.
من وحي الذكرياتبقلم: السيد حمزة الموسوي
المقدمة: في هذه
المقدمة أود أن أحيط القارىء الكريم علماً،
أن ماكتبته في ملف ذكرياتي هو تلك المواقف
والذكريات التي أخذت مساحة كبيرة من ذاكرتي
وتعتبر هذه الذكريات هي النقاط والمواقف
المهمة من مسيرة أيام العمر الطويلة، وسأحاول
جاهداً أن أوافي المتابع والمهتم لهذه
الصفحات بتفاصيل أكثر كلما وفقت لتدوين
ذكرياتنا في هذه الحياة التي أشرف عمري
بها على قرابة العقد السابع من العمر. كما أذكر
هنا للملاحظة أن تجاوزي لبعض التفاصيل
سببه ألحاح وأصرار ولدنا العزيز السيد
قصي على أن أعطيه فصول الملف من الذكريات
بأسرع وقت وبما أنه هو المتابع وصاحب الفكرة
في أنشاء هذه الصفحات بهذا الموقع لذا سيكون
بموضع المسؤول على موافاتكم بما أكتب وأؤرخ،
فهو بيني وبين المتابع رسول.
ذكريات
بمدينتي: تمتد
ذكرياتي بمدينتي الكوفة المقدسة في كل
سنين عمري بإستثناء سنوات الهجرة الطويلة
وأيام الإعتقال. حيث نشأت
و ترعرت في هذه المدينة العريقة وذكرياتي
بهذه المدينة جميلة جداً، خصوصاً في بداية
الستينات، فكانت ومازالت مدينتي ملاذاً
لطلاب العلم والمعرفة وموطن أستقرار لبعض
من العلماء ومراجع الدين، فهي تمتاز بالإضافة
لتأريخها الغني، بالمناخ الجميل، يزين
أطرافها نهر الفرات، ذلك النهر الذي يحتضنها
ليغذيها بعذوبته، فترى الكوفة مصيفاً جميلاً
أيام موجات الحر القاسية من الطقس بسنوات
الصيف، تلك المدينة التي تحيط بها البساتين
من كل جانب، فيقصدها أيام الصيف الكثير
من أبناء النجف ليجلسوا على أطراف نهر الفرات
وينهوا سهراتهم وجلساتهم هناك. ومدينتي
لها الفضل الكبير في أعداد شخصيتي وهذا
الفضل يعود لها من خلال تأريخها العريق،
فهي عاصمة الأمام علي عليه السلام وعاصمة
المهدي المنتظر عجل الله فرجه، وضمت من
الصحابة ومقامات الأنبياء ومحراب علي عليه
السلام الذي قسم بفوزه عنده يوم ضربته،
ومسجد الكوفة، ذلك المسجد
الذي هو من المساجد الأربعة، الكوفة تمتاز
بكثير من المواصفات تأريخياً وجغرافياً
ومعنوياً. ومن الجدير
بالذكر أن هذه المدينة تمتاز بسكان يختلفون
تماماً عن الكثير بعاداتهم وتقاليدهم والسبب
في ذلك أنها مدينة وسط الأرياف والبساتين،
فترى أبنائها يتمتعون بعادات طيبة جدا. ولايفوتني
أن أذكر هنا محطة من ذكرياتي ألا وهي ذكرياتي
مع بعض شخصيات ومؤمني هذه المدينة المقدسة. كنا نقضي
معظم أوقاتنا بعد الأنتهاء من الألتزامات
اليومية والعمل والأرتباطات الأخرى مع
الشباب المؤمن المتدين برفقة شخصيات الحوزة
العلمية والوعي الثقافي، وأذكر منهم المرحوم
سماحة آية الله السيد موسى بحر العلوم أمام
مسجد الكوفة أنذاك، وكنا نحضر عنده ليلاً
أنا وجمع من الشباب الواعي في مسجد الكوفة
من كل ليلة للدرس والبحث الفقهي أنذاك،
وأذكر أيضاً من الشخصيات التي كنا على تماس
بها المرحوم آية الله السيد عبد
الرسول كمال الدين، وكنا نتلقى منه دروس
الفقه لمراحل اخرى من دروس الفقه والشريعة
واللغة العربية، وكان ذلك بشكل أسبوعي. كما شهدت
مدينتي أجواء مفعمة بالوعي والثقافة فكانت
ندوات ثقافية تنظمها مكتبة الوعي الإسلامي
في مسجد الكوفة، حيث كنت من الأعضاء المؤسسين
لها، وكنا ننتدب محاضرين في ليالي الجمع
في كل ليلة شخصية علمائية للتحدث بالندوة،
وأذكر منهم سماحة آية الله السيد طالب الرفاعي،
وسماحة آية الله السيد عبد الكريم القزويني،
وسماحة آية الله الشيخ محمد مهدي الآصفي،
وآية الله الشيخ علي الكوراني، والمرحوم
الشهيد سماحة آية الله السيد محمد باقر
الحكيم، والمرحوم الشهيد سماحة آية الله
السيد محمد مهدي الحكيم، والمرحوم آية
الله الشيخ أسد حيدر، والمرحوم الأستاذ
المربي الدكتور أحمد أمين، حيث كنا مع هؤلاء
على تماس دائم أنا وأعضاء مكتبة الوعي الإسلامي،
حيث أن هذه المكتبة كانت
مؤسسة إسلامية، أجتماعية لنشر الوعي بين
الشباب والمتدينين، ولايفوتني أن أذكر
هنا أخواني الذين بذلوا الجهد في تأسيسها
معي أنذاك، ومنهم الأستاذ المربي الحاج
حسن كريم الكوفي والمرحوم الأستاذ جبار
شفيع، والمرحوم الأستاذ غياث باقر مرزة،
والمرحوم الشهيد الأستاذ المربي عبد الهادي
عبود سلمان، وبقية كُثر تخونني ذاكرتي
عن ذكر أسمائهم الآن. وبعد
الهجمة الشرسة من قبل السلطة أنذاك في أيام
السبعينيات، نقلنا عهدة مكتبة الوعي الإسلامي
إلى المكتبة الرئيسية والعامة للمرجع المرحوم
آية الله العظمى السيد محسن الحكيم في النجف
الأشرف، كي تكتسب حصانة، حيث كان المرجع
السيد الحكيم رحمه الله ملاذاً للعاملين
والمجاهدين، وبما أن مكتبة الوعي الإسلامي
أسست بجهود شخصية فكانت المكتبة ونحن عرضة
لأي هجمة من قبل السلطة، وكما حصل ذلك،
وبعد أن تم نقل عهدة المكتبة لمكتبة السيد
رحمه الله، عُين السيد جواد كمال الدين
مدير للمكتبة ، وأخيراً ضايقوا مديرها
إلى أن هددوه أزلام السلطة بالأعتقال،
حتى أنه ترك المكتبة وأرتبط بعمل وظيفي
آخر وبعدها، وفي أيام السبعينيات أيضاً
تم أعتقالنا مع مجموعة كبيرة من أخواننا
الدعاة، ولا نعلم بعد ذلك بمصير هذه المكتبة
التي كانت للملتقى الثقافي والإسلامي،
والتي كانت بمثابة الأشعاع المنير بالمدينة
ويتذكرها جيداً المعاصرين بالمدينة. ولا يفوتني
ايضاً أن أذكر من الشباب في ذلك الوقت الذين
إعتادوا المجيء والحضور بهذه المكتبة ومنهم
العلامة الشيخ معن نصيف شبيب، والعلامة
الأستاذ السيد حسن النفاخ، وكان غيرهم
من الأخوة الطيبين منهم من هو حي يرزق ومنهم
من انتقل إلى عالم الأخرة ومنهم من أستشهد
تحت سياط الجلاد. ومن المهم
أن أذكر نقطة من المفترض أن أذكرها في بداية
كتاباتي بهذا الفصل، لقد حاربنا في بناء
هذا الكيان الثقافي بعض من أصحاب الخرافات
أنذاك، حتى كانت أعمال وخرافاتهم وشغبهم
أجبرتنا على تغيير أسم المكتبة، قبل أن
تكون ضمن مكتبة المرجع السيد الحكيم، فأصبح
أسم المكتبة ( مكتبة مسلم بن عقبل ) بدلاً
من مكتبة الوعي الإسلامي والسبب بذلك أنهم
فتحوا مكتبة بجانبها وأسموها مكتبة الثقافة
الدينية، وفي ذلك الوقت بدأ صراع الوعي
والخرافة، حتى أن وصل الوضع إلى حد التوتر
نوعاً ما، فعلم بذلك آية الله السيد محمد
باقر الحكيم انذاك و تدخل بحل الازمة
ووحد المكتبتين تلافياً لما ممكن ان يحصل
في تلك الفترة، وكانت تلك المساعي ايضاً
بجهود اية الله السيد مهدي الحكيم انذاك،
كما اذكر هنا من المنظرين لمكتبتنا وكيفية
سيرها الثقافي المرحوم الشهيد سماحة العلامة
السيد عباس الحلو، والمرحوم الشهيد سماحة
العلامة الشيخ ماجد البدراوي، وسماحة العلامة
الشيخ مجيد الصيمري، وسماحة آية الله السيد
طالب الرفاعي. كما كان
مسجد الكوفة يعطي بريقاً ثقافياً إسلامياً
وسياسياً واعياً، من خلال مكتبة الوعي
الإسلامي ضمن حرم المسجد وبجانب مقام الأمام
علي عليه السلام، حيث كان من ضمن برامج
مكتبتنا إقامة وإحياء المناسبات والأحتفالات
الأسلامية من ولادات الأئمة عليهم السلام
ووفياتهم، فكانت هذه المناسبات تُسخر لتوعية
الشباب ونشرالمفاهيم الإسلامية الواعية،
كما كانت المكتبة و ثقافتها وروادها تتصارع
مع الوجودات انذاك، حيث كانت تلك الفترة
تشهد نشوء الأحزاب العلمانية فيها، و قد
لا ينسى المعاصرين من أبناء المدينة ذلك
الموكب الكبير الذي تنظمه مكتبة الوعي
الإسلامي انذاك، وهو موكب طلاب مدارس الكوفة،
كان ينطلق من بداية شارع الكورنيش قرب مسجد
الخلخالي سيراً إلى مسجد الكوفة، وكانت
هتافات مجاميع الموكب من الشعر الفصيح،
وأذكر منها ( لم تزل ذكراك في وحيها -
تبعث في النفوس روح الجهاد ) وكانت هذه الهتافات
بمناسبة أحياء ذكرى أستشهاد الأمام مسلم
بن عقيل عليه السلام، و على ما أذكر أن هذه
الهتافات العشرة، حيث لكل مجموعة من الموكب
هتاف، فكان من ينظم أبيات الشعر للهتافات
بالموكب هو العلامة المجاهد المربي الشيخ
مجيد الصيمري، واذكر من طرائف سماحته انه
قال ( لو تعرضتم للمسائلة من قبل أزلام الأمن
والسلطة وسألوكم عن منظم الابيات فقولوا
نظمها احد المشايخ في الحرم الحيدري
بالنجف الاشرف، ولا نعرف شخصه )، وفعلا
في السنوات الأخيرة ضايقنا الأتحاد الوطني
لطلبة العراق فرع مدينة الكوفة، وطلبوا
منا أن ترفع أمام الموكب لافتة باسم الأتحاد
الوطني لطلبة العراق فرع مدينة الكوفة،
فأجبناهم، أن هذا الموكب مضى له سنوات عديدة
على هذا الترتيب ويحمل أسم طلاب مدارس الكوفة،
وقد أمتعضوا منا وأجابونا أن أردتم الخروج
بموكبكم تحت أسمه ( موكب طلاب مدارس الكوفة
) أخرجوا وأنتم تتحملون المسؤولية لما سيترتب
على ذلك وفعلا كنا نخرج على مسؤوليتنا الخاصة
وكان الكفيل للموكب أنذاك الحاج محسن
الكوفي رحمه الله. ولما
أشتد وقوي حزب النظام أنذاك بدأت الهجمة
الشرسة فأكلت ( الاخضر و اليابس ) وهجموا
على الشباب الواعي، أبتداءاً من مواكب
الجامعة في بغداد نزولا الى هذه المواكب
الفرعية التابعة، وأمتلئت سجون العراق
ومعتقلاته بالعديد من الشباب، وأخذت التهم
تكال بدون ضوابط لكل العاملين للأسلام،
وسجن من سجن وأستشهد من أستشهد وبقي العمل
الإسلامي تحت جنح ظلام الليل والتحرك بسرية
مدروسة في كل أنحاء القطر، وقد عاث حزب
السلطة الجائرة بالارض فساداً. كما كان
الحرس القومي عام 1964 مــ في أوج نشاطه
لمجابهة العمل الإسلامي، ولكن لم يكن بتلك
الضراوة والقسوة وكان مقر الحرس القومي
في نادي الموظفين بالكوفة وكان أنذاك رئيس
الحرس القومي لفرع الكوفة، المعلم عبد
الزهره قناط وكان يلقب نفسه بــ عبد الزهره
الحداد، حيث أنه من أصول أيرانية وقد سفروه
إلى إيران ولم يرحموه أبدً ولم يشفع له
نضاله معهم، وقد جاء بنا في ليلة من ليالي
ذكرى أستشهاد الأمام مسلم بن عقيل عليه
السلام وبعد إنتهاء مراسم العزاء جائوا
بنا أزلام الحرس القومي إلى مقرهم السالف
ذكره، وكان من جملة المعتقلين معنا الأستاذ
المربي جابر كاظم هاشم، فقال لنا رئيس فرع
الحرس القومي( عبد الزهره قناط ) ماذا تقصدون
بكلمة ( جهاد ) بهتافاتكم لأحياء مناسبة
العزاء بذكرى استشهاد الامام مسلم بن عقيل،
فماذا تقصدون ( بالجهاد و على من الجهاد؟
)، فأجابة الأستاذ جابر كاظم هاشم ( كلمة
جهاد تشير إلى الجهاد، بالماضي وليس الحاضر،
ألم تقرأ قواعد اللغة العربية؟ )، قال بطريقة
تراجع وتساؤل ( ها عفوا، يعني أنكم تقصدون
الماضي؟، وليس الجهاد ضدنا؟ ) فأجبناه جميعاً،
( نعم، يا أستاذ!! ) فقال حينها، ( اخرجوا،
أنتم طلقاء )، دارت الدوائر ومرت السنين
والأيام وحتى أنتفاضة شعبان عام 1991 مــ
وبعد خروجي من العراق، التقيته في زيارة
للأمام الرضا عليه السلام، فوجدت ذلك المتغطرس
أمير الحرس القومي في مدينة الكوفة أنذاك،
يجلس في محل صغير لبيع سندويتشات ( الفلافل
)، فوقفت بباب المحل وقلت له ( أستاذ !، ما
معنى كلمة جهاد ) قال ( ماذا؟، ألم تعرف كلمة
جهاد؟!، ) وأكمل قائلاً ( الجهاد يعني ضد
الباطل والطغيان والفساد ) ولم يكن يعرفني،
حيث تغيرت ملامحي والسنوات مرت، فقلت له
مرة اخرى ( ألا تعني كلمة جهاد، ضدنا؟!! )
قال بأستغراب شديد وتسائل قائلاً ( ماذا
تقصد أيها الرجل ) فأجبته ( أي ضد الحرس القومي
)، حينها تذكر نادماً، وقال ( مالي وتلك
الأيام، دعني الآن، أن أهلنا لم يعلمونا
الأسلام، لذلك وقفنا ضد الناس بدون فهم
أو دراية )، وسبحان الله أن هذا الرجل لم
يتعظ من درس السنين فأرجعت به زوجته بعد
أن حصلت له على ( كتاب عفو ) من ما يسمى بديوان
رئاسة الجمهورية في عهد النظام البائد
في بغداد وفعلاً عاد الرجل إلى العراق وعاد
إلى وفائه لأزلام السلطة وعمل معهم من جديد
فأخذ دور تشخيص العائدين من الناس إلى بلدهم
العراق بعد أن غادروا بسبب قمع الانتفاضة
الشعبانية عام 1991 مـ . وهكذا
كانت ذكرياتنا طويلة ومازلت وسنذكر منها
الكثير وسأوافي المتابع بمذكرات أوسع وسأذكر
معظمها تباعاً بهذا الفصل لاحقاً بعون
الله.
ذكريات
الدراسة وطلب العلم: تلقيت
تعليمي في مدينة الكوفة المقدسة، تلك المدينة
المباركة التي تعتبر معقل من معاقل العلم
والمعرفة، مدينة العلم والأجتهاد، أكملت
فيها دراستي الأبتدائية في مدرسة السهيلية
التي تقع في منطقة ( الجماعه )، أنهيت فيها
ستة سنوات بتفوق أنذاك وأذكر مديرها الأستاذ
السيد ضياء ربيع، ومديرها الثاني بعد رحيل
مديرها الأول فكان المدير الجديد أنذاك
الأستاذ كرماشه، وأذكر أساتذتي بهذه المدرسة
ومنهم، الأستاذ شلاش عبد عاصم وهو محامي
بالوقت الحاضر ومن المحامين الكبار،و من
أساتذتي أيضاً الأستاذ صادق شبع والأستاذ
عبد الحسين الحلي والأستاذ هادي الوائلي
هؤلاء كانوا أساتذتي في المرحلة الأبتدائية
وكان لهم الفضل في تعليمنا وغرس روح العلم
وحب المعرفة. ومن أقراني
من الطلاب في تلك المدرسة وزملائي منذ تلك
المرحلة الأخ شامت سلمان المجتومي وهو
الآن من المدرسين المرموقين، والأخ صالح
عاشور وهو مرشد زراعي بالوقت الحاضر، والمرحوم
الأخ فاضل السهلاوي وهو رجل أعمال رحمه
الله، هؤلاء كانوا من أقرب الزملاء لي منذ
تلك الفتره وهم مازالوا أحياء بأستثناء
المرحوم الأخ السهلاوي، وأعيش معهم أخوتي
وصداقتي وقد التقيتهم جميعاً بعد عودتي
إلى الوطن الحبيب بحمد الله. وبعد
الأنتهاء من مرحلتي الأبتدائية، أكملت
دراستي في متوسطة الكوفة في مركز المدينة،
وكان مديرها الأستاذ عبد عاصم ( ابو ناصرية
) ثم أشرف على أدارتها بعده الأستاذ حبيب
عمران الخياط ومن أساتذتي في هذه المرحلة
الأستاذ جواد الفحام وهو مدرس قدير ومازال
يعيش بروح مملؤة بالحيوية والنشاط، والطريف
أن هذا الرجل قام بتدريس أولادي في مرحلة
الثانوية ( صادق وجعفر )، والأستاذ العكام
والأستاذ جمعه، وكثير من الأساتذة الذين
تعاقبوا علينا وقد تخونني الذاكرة لذكرهم
جميعا. وبعد
أنهائي لهذه المرحلة أنتقلت إلى الدراسة
المسائية، حيث دخلت معترك العمل التجاري
وحاولت موفقا أن أجمع بين الدراسة والعمل،
فدخلت في ثانوية نقابة
المعلمين المسائية وأذكر مديرها أنذاك،
الأستاذ حبيب عمران الخياط أيضاً، وأيضاً
من أساتذتي بهذه المرحلة هو الأستاذ جودي
الفحام حيث كان أغلب الأساتذة يعطون محاضرات
للدوام المسائي بالمدارس الأخرى، وبعد
ان أنهيت دراستي من الفرع الأدبي أنذاك
فكرت أن ادخل بدراسة
علوم الحوزة العلمية حيث كان بودي ومن أمنياتي
أن أكمل دراستي بهذا التوجه وأن أرتدي زي
العمة بعدها، ولكن لأسباب يطول تفصيلها
لم أوفق، فعوضني الله بأن أأخذ بمشورة والدي
رحمة الله عليه بأن التحق بدراسة العلوم
الإسلامية، حيث رجحت هذه الفكرة لأسباب
كثيرة منها، توسع عملي التجاري وكثرة أرتباطاتي
بالسوق، فدخلت منتدى النشر بالنجف الأشرف
( الذي عُرف فيما بعد بكلية الفقه ) وأخذت
أجمع بين الدراسة ومواصلة العمل التجاري،
فكنت موفقا بحمد الله. أكملت
دراستي بالمنتدى وأذكر من الاساتذه لهذه
المرحلة أستاذ الفلسفة الشيخ شمشاد
رحمه الله ومن الأساتذه أنذاك العلامة
السيد محمد تقي الحكيم رحمه الله وقد تعاقبوا
علينا بفترة الدراسة أساتذة كثر يأتون
من بغداد إلى النجف، كما أذكر من زملائي
بالدراسة لهذه المرحلة أنذاك العلامة آية
الله السيد عبد الله الغريفي والعلامة
آية الله الشيخ عيسى البحريني والعلامة
آية الله السيد عبد الكريم القزويني والعلامة
الشيخ نعيم قاسم حفظهم الله جميعاً، وأذكر
أيضاً الأستاذ عبد الزهرة الكوفي والدكتور
مجيد ناجي وكثير من الطلاب من الأقطار العربية،
لبنان والكويت والبحرين. وبعد
إكمال دراستي لم ألتحق بأي تعيين في دوائر
الدولة وبقيت أتابع الدروس الحوزوية ضمن
برنامج وقت شخصي بالإضافة لمتابعة وتطوير
عملي التجاري في تلك الفترة وبعد خروجي
من البلد قسراً، سعيت إلى أن أكمل ماأنتهيت
أليه من دروس الحوزة العلمية، فواصلت دراستي
الحوزوية إلى أن أكملت دروس اللمعة والمكاسب
عند العلامة الشيخ الجواهري، ومن ثم الحضور
في درس البحث الخارج عند سماحة العلامة
آية الله الشيخ محمد مهدي الآصفي، ومازلت
أتابع وأبحث وأؤرخ و اطلب العلم والمعرفة
على سبيل النجاة، ولانهاية للعلم لمن أراد
ان ينهل من هذا العطاء الدائم. ولقد
من الله علي بأكمال هذه المسيرة العلمية
بولدنا الأكبر العلامة السيد باقر الموسوي،
وولدنا الثاني العلامة السيد صادق الموسوي،
حيث أنهم رجال دين وعلم ومن اهل العلم والمعرفة،
ومن طلاب الحوزة العلمية لمراحلها العليا،
بالأضافة لولدي الصحفي والإعلامي السيد
جعفر الموسوي، والطالب للدراسات الطبية
السيد قصي الموسوي، كل منهم حسب أختصاصه
وتوجهه العلمي.
ذكريات
العمل التجاري: بدأت عملي التجاري منذ أن كنت طالباً للمرحلة الأعدادية، حيث كنت أجمع بين الدراسة والعمل وكان هذا لا يضيرني، حيث كنت محتاجاً لكلا الجانبين ( الدراسة والعمل ) أنذاك، كما كانت التجارة بالنسبة لي عمل من هواياتي، وأعطيت لهذا المجال أهتماماً ليس بالقليل حتى بلغت المرام الذي كنت أتمناه، فصُنفت مع كبار التجار بالسوق أنذاك، وأصبحت من زملائهم وعضو من أعضاء غرفة تجارة النجف، حيث أنتميت لها عام 1968 مـــ وكان العراق في ذلك الوقت ومازال فيه جانبين من التجارة، الأول هو القطاع الخاص أي الأستيراد الشخصي، وهذا الجانب كان يبرمج وينظم من قبل وزارة التجارة تحديداً وكانت تعطى إجازات أستيراد بتحويل خارجي للمنشأ الذي يختاره التاجر عن طريق البنوك الرسمية، وهذا الجانب محدد بشروط وقوانين يكون التاجر ملزم بتطبيقها ومخالفتها تسبب له ضياع كل مايملك، آما الجانب الثاني القطاع العام فهو الأستيراد التابع للدولة، فالدولة لديها برنامج أستيراد أيضاً تستورد من خلال هذا البرنامج البضائع وتميز بضاعتها بعلامات وإشارات خاصة، فمارست تجارتي ضمن الجانب الأول ( القطاع الخاص )، وكنت من المستوردين بعد أجتيازي لمرحلة النمو التجاري، كما توسع عملي على مستوى التجارة الدولية ، فكنت أستورد قطع غيار السيارات (
( Auto Spare Partsمن السويد وبريطانيا وألمانيا
واليابان وتركيا، كما كان مركزنا التجاري
بالمدينة ( النجف الأشرف ) وفرعه الثاني
( مدينة الكوفة ) مصدر تمويل لبقية المحافظات
العراقية، فكنا نمول كثير من تجار المحافظات
الأخرى ببضائعنا المستوردة، ولايفوتني
هنا أن أذكر بعض من أبرز تجار المدينة في
تلك الفترة ومنهم التاجر شاكر أبو رقيبة،
والتاجر الحاج عبد الرسول الحكاك، والتاجر
علي التميمي، والتاجر السيد سعيد كمونة،
والتاجر السيد جواد السيد عيسى، فكنا مع
هؤلاء وغيرهم ندعم وننمي الحركة التجارية
وتفعيلها بالنجف في
تلك الفترة، وبعد هذه المسيرة من العمل
والمواظبة لم نكن نحتكر هذه الخبرة الفنية
على أنفسنا، فكنا نقرب من نجد فيه الأستعداد
والقابلية للنمو، فكنت أشارك في تجهيز
بعض المحلات لأصحابها الناشئين تجارياً
لدعمهم وتقويتهم في ذلك الوقت، وهذا مايتذكره
المعاصرين في تلك الحقبة الزمنية، كما
أني لم أبخل شخصيا بتوفير فرص المشاركة
لكثير من أرحامي ومعارفي على الصعيد الشخصي،
فكنت أحاول أن أغرس في نفوسي بعض هؤلاء
روح المغامرة التجارية والأنخراط في تلك
الأجواء، وكما أستفاد من خبرتي الكثير
من الأجيال الموجودة في سوق التجارة النجفي
وأذكر منهم مفتخراً بهم وبقابلياتهم، السيد
عقيل الموسوي، والسيد أحمد الموسوي، ومتعلقين
كثيرين. كما أذكر
هنا في هذا الفصل أن المستوى التجاري في
العراق بلغ ذروته، وكان في تألق واضح، فأخذ
النظام الفاشي أنذاك يهيىء نفسه لدخول
حرب على أيران وفعلاً شنت الحرب
وحمى الوطيس، وسفروا تجار كثيرون بتهمة
التبعية الأيرانية، وفي هذه الفترة أختل
الوضع نوعاً ما وأصبح رأس المال يُخشى عليه
إلى أن تغيرت عناوين الحرب وأهدافها أصبحت
واضحة، عند ذلك الوضع التجاري في العراق
أصبح ضخم جداً وفي تصاعد متواصل وأسباب
ذلك تعود إلى الدعم العربي والعالمي الذي
يقف بقوة مع النظام لأسناده في أيام الحرب
التي لها عنوانها، فكان العراق يشهد أزدهار
أقتصادي لايوصف حتى أن وصل الدينار العراقي
إلى 3 دولار أمريكي في ذالك الوقت، وهكذا
تستمر النشوة الأقتصادية في البلد حتى
وضعت الحرب أوزارها، فأخذ العراق وشعبه
فترة من الراحة على المستوى العسكري والسياسي
والشعبي، فلم تدم طويلاً تلك الفترة، حيث
أُقحم العراق وشعبه بأحتلاله للجارة الكويت،
حيث تدهور الوضع العراقي تماماً وأسباب
ذلك معروفة عند المتابع للأحداث، حيث لست
بصدد تفصيل الوضع السياسي في هذا الفصل،
فمر العراق بتلك الفترة تحديداً بوضع تنازلي
على الصعيد الأقتصادي وغيره، وبعد ذلك
فُرض على العراق الحصار الأقتصادي ووصل
الوضع إلى الدرك الأسفل، حيث لا أستيراد
ولا تصدير، وفي ذلك الوقت أخرج النظام من
أحتلاله للكويت رغم أنفه يجر أذيال الخيبة،
وأذكر في تلك الفترة أنفلات الوضع الأمني
أنذاك، وأصبح الوضع متردياً وبدأ الأنحلال
الأداري بالمؤسسات الحكومية والاهلية
وأنكسر عامل الخوف عند كثير من الناس، وبدأ
الهيجان الشعبي، وبدأت الناس تتذمر من
الوضع العام بالأضافة للخزين الكبير عند
أبناء البلد وتحملهم الظلم والجور والطغيان
والتعسف، ويضاف إلى ذلك الوضع الأقتصادي
السيء. فانتفض
الشعب عام 1991 مـــ وعمت الأنتفاضة أغلب
أنحاء القطر مطالبة بأسقاط النظام، وكانت
عوامل هذه الأنتفاضة بالأضافة للأمور الأنفة
الذكر، عوامل أخرى كثيرة، لست بصدد تفصيلها
بهذا الفصل، وبعد تلك الفترة عاد النظام
وعادت سيطرته من جديد على زمام الأمور بالبلد،
وهكذا يستمر فرض الحصار الأقتصادي المفروض
على العراق، ولم يشهد الوضع التجاري مستوى
أفضل، وإلى يومنا هذا ترى التراكمات التي
أثرت في وضع البلد ومستواه الأقتصادي وكل
ذلك يعود إلى سياسة النظام المتهورة.
ذكريات
العمل الثقافي والإسلامي: أثناء
دراستي وبعد أن أكملتها أتجهت إلى مواكبة
العمل التجاري وفي ذلك تفصيل سلف ذكره في
الفصل السابق لما نحن فيه. فلم يكن
عالم التجارة وكسب المال هو الهم الأكبر
في حياتي فكنت ومازلت أؤمن أن المال وسيلة
وليست غاية، وكنت ومازلت أيضاً أؤمن
أن الأنسان هو أنسان بفكره وعقله وأمكانياته
الفكرية، وأن الانسان هو الأنسان الذي
بأمكانه أن يعطي لمجتمعه مايستطيع من دعم
غذاء فكري وثقافي ومعنوي، وبذلك يجب عليه
أي الأنسان أن يكون ذو علم ومعرفة من أجل
أن يكون معطاء، ومن دون ذلك ينطبق القول
فيه ( فاقد الشيء لا يعطيه )، فكان العمل
الإسلامي والثقافي بالنسبة لي تؤمان لا
ينفصلان، بعضهما يكمل البعض الآخر ويدعمه. وبدأت
مسيرة العمل الثقافي عندي بعد أنهاء مرحلة
الأعدادية ودخولي أجواء الجامعة وفي تلك
الفترة مّن الباري عز وجل بأن فتح للشباب
النماذج باب من أبواب الوعي الإسلامي،
فكانت أجواء الحوزة العلمية الواعية تعطي
للمجتمع والشباب أشعاعاً منير يستنير به
دروبهم لبناء مفاهيم سامية. فسخرت
الحالة الثقافية التي أمتلكتها منذ ذلك
الوقت وجعلت منها طريق أسلك به للعمل الإسلامي،
فكنت أتابع المنتديات الثقافية هنا وهناك،
وأشارك في كثير من المهرجانات الثقافية
والإسلامية، وأشركت مداد قلمي في بعض من
المجلات الهادفة وأذكر منها ( مجلة الموعظة
) التي كان يصدرها الأستاذ كامل سلمان الجبوري
في مدينة الكوفة المقدسة، و ( مجلة التضامن
الإسلامي ) التي كان يصدرها سماحة العلامة
آية الله الشيخ محمد باقر الناصري في الناصرية،
و ( مجلة العدل ) التي كان يصدرها سماحة العلامة
السيد الفاضلي في النجف الأشرف، وقد أشتركت
في الكتابة بالنشرات المحلية أنذاك التي
كانت تكتب بالمدارس والمراكز العلمية والثقافية. ولا أنسى
هنا أن أذكر بكل أحترام وتقدير بعض من رواد
الحركة الثقافية الواعية بمدينتي الكوفة
المقدسة، الذين عرفتهم، وقد شاركونا همومهم
في ذلك ومنهم الشهيد الأستاذ عبد المنعم
الفارس، والشهيد الأستاذ عبد هادي راضي
الحمداني، والشهيد الأستاذ السيد وهاب
المحنة رحمهم الله، والعلامة الأستاذ السيد
حسن النفاخ، والعلامة الدكتور الشيخ عامر
عبدالله الكفيشي حفظهما الله، وكثير من
الذين تخونني الذاكرة بذكرهم، فكانوا وكنا
نتجول في ذلك المعترك الثقافي، وقد أصبحت
أفكارنا بفضل الله في كل مكان، وأذكر منذ
ذلك الوقت دخلت أفكار الوعي الإسلامي إلى
الجامعات والمعاهد ومراكز التعليم الأكاديمية
في بغداد والموصل وغيرها، حتى أن بعض الأفراد
عندما يدخلون الجامعات في أوقات الصلاة
يرون منظراً من مظاهر الإسلام العظيم،
فترى أن الصلاة تقام في الحرم الجامعي والأذان
يرفع قبلها، فتشعر وكأنك دخلت إلى المسجد،
وفي تلك الاجواء أُسست مواكب الطلبة التي
تخرج من بغداد إلى كربلاء، تخرج على شكل
مسيرة طويلة ذات مجاميع مقسمة، والتي تنظم
في كل عام لأحياء ذكرى أستشهاد أبي الاحرار
الأمام الحسين بن علي عليهما السلام، ولا
أنسى هتاف تلك الحناجر بهذه الكلمات ( ياشهيداُ
أين منك الشهداء ) فكانت صرخات مدوية وأنطلاقة
جماهيرية نحو ثورة ذات أفكار ثقافية وتوعوية،
ولايفوتني هنا أن أذكر ممن كان لهم الدور
الكبير في دعم هذا النشاط، ومنهم المهندس
الأستاذ الحاج المرحوم صالح الاديب، وأخوة
كثيرون معه، كانوا ينظرون لتلك المواكب
والنشاطات الهادفة، فعندما يرى أي شخص
هذا المظهر يتبادر إلى ذهنه أن وراء هذه
النشاطات تنظيم دقيق و فعلا كان ذلك، وهذه
النشاطات أرهقت حزب النظام الحاكم أنذاك
وأخذ يفكر النظام بوسائل التحديد لهذه
الثورة الثقافية الواعية، وأذكر من تلك
النشاطات الهادفة أيضاً التي تزامنت وأقترنت
مع هذه المواكب، تلك المسرحية الواعية
بمضمونها ( مسرحية صرخة الحق ) التي أقيمت
على قاعة الإدارة المحلية في كربلاء، حيث
كان محافظ كربلاء في ذلك الوقت جابر حسن
الحداد، وكان يُقدم له طلب بأقامة المسرحية
في مكانها المذكور وكان يجيز أقامتها،
وهذا عمل يشكر عليه. وهذه
المسرحية كانت تحتوي على أدوار عمار بن
ياسر وأمه سمية وأبي ذر الغفاري وبلال الحبشي
في صدر الإسلام، فكانت تتضمن المسرحية
نصوص ماأروعها، وكانت تعرض الإسلام بشكل
حي على المسرح، وكان أيضاً من المنظرين
لهذا النشاط الثقافي الإسلامي أيضاً المهندس
الأستاذ الحاج المرحوم صالح الأديب. وأذكر
هنا موقفاً له، حيث ألتقيته يوماً في مقر
الجمعية الخيرية في مقر الجمعية الخيرية
الأسلامية في شارع العباس عليه السلام
بكربلاء، وكان معي أخي وصديقي نبيل عبدالواحد
الطيار وهو من أهالي كربلاء أيضاً، فقدمني
للأستاذ الأديب وعرفني به، عندها علم الأستاذ
الأديب أني من أهالي الكوفة المقدسة، حيث
فرح بذلك وقال ( سنكلف جناب السيد بتكليف
بسيط نرجوا ان يعيننا به ) وقال لي يومها
( أن لدينا مسرحية تسمى صرخة الحق وهذه المسرحية
نريد لها حضور واعي وعليه هذه خمسة دنانير
أجرة سيارتين مع المصاريف، منها تجلبهم
معك لزيارة الأمام عليه السلام في كربلاء،
وكذالك يشاهدون المسرحية ويستفيدوا منها
)، فاستجبت لذلك الطلب الذي هو من ضمن همومي
الإسلامية وحققت ذلك وقتها وأتيت إلى كربلاء
مع تلك المجاميع من طلاب المدارس والجامعات
وأشركناهم بالحضور والفائدة. فشهد
العراق في تلك الفترة في مختلف المناطق
ثورة ثقافية واعية عارمة وذلك بفضل ألله
و العاملين من أجل الإسلام وخدمته، وبدأ
ينمو العمل الإسلامي الواعي بين الناس
والمجتمع كدبيب العافية في الجسم العليل،
وفي نهاية 1969 مـــ نزلت الحراب والسكانين
على ظهور العاملين وحمى الوطيس وأشتدت
الضراوة وبدأت حملات الأعتقال للشباب والعاملين
ظنأ من القوم أننا طلاب سلطة ولم يكن هذا،
فكان الهم الأكبر هو تكوين دولة الأنسان،
ولكن ماحيلة من يهجم عليه بعقر داره، فحمل
مايستطاع حمله بوجوههم، وازداد الوضع سوءاً
أكثر فأكثر، فأذيبت أجساد المخلصين في
أحواض التيزاب، ومُلئت المعتقلات والسجون
وسُبيت النساء وهاجروا كثيرين، وهكذا منهم
من قضى نحبه ومنهم من انتظر، حتى جاء مدير
الأمن العام في بغداد ناظم كزار وألتقى
بصدام حسين وقال له ( أنتهى حزب الدعوة الإسلامية
) فأجابه صدام ( لاتقل أنتهى، بل قل أختفى
)، وبعدها صدر ذلك الحكم المشهور على الدعاة
جميعاً ( قرار أعدام الدعاة ) الذي يعرفه
كل العراقيين وأصدروه بأثر رجعي، أي يعدم
حتى الذي يروج لهذا الفكر أو يدعمه أو يتستر
عليه، ولكن رغم كل هذه الآلام والمآسي التي
هي في عين الله، لم تكن الحركة الواعية
تقف امام هذا، بل أستمرت المسيرة لأنها
من اجل هدف عظيم وغاية أعظم، فكان الإسلام
هو الهم الأكبر في أجندة العمل والعاملين.
ذكريات
مع المرجعية الدينية: لم يكن
العمل الثقافي والإسلامي في غنى عن ذلك
الكيان المهيب الذي له الفضل في حفظ الشريعة
والدفاع عنها في الملمات، فكانت المرجعية
الدينية لها الفضل الأكبر في دعم مسيرة
الوعي والثقافة، وتعبئة المجتمع فيما يرضي
الله، وقد شهدنا عن كثب مواقف المرجعية،
وعملنا بمشاريعها، وكنا مازلنا نسير بأرشادها
وفتاويها. وهنا
أذكر أن من أول المرجعيات الدينية التي
عارصتها وكنت في فلكها أدور هي مرجعية المرحوم
آية الله العظمى السيد محسن الحكيم طاب
ثراه، وكنت صديقاً حميماً ومقرب جداً لأولاده
السادة الأجلاء وأخص منهم المرحوم الشهيد
العلامة آية الله السيد مهدي الحكيم رحمه
الله، والمرحوم الشهيد العلامة آية الله
السيد علاء الحكيم رحمه الله، والمرحوم
الشهيد العلامة آية الله السيد محمد باقر
الحكيم رحمه الله، حيث عاصرتهم وعشت معهم
حقبة من الزمن إلى أن توفي سماحة المرحوم
المرجع السيد محسن الحكيم، الذي يعتبر
الزعيم الروحي للشيعة في العراق أنذاك،
وهنا أذكر أيضاً بعض من الذكريات الواضحة
في ذاكرتي مع المرحوم الأب والمرجع السيد
محسن الحكيم عندما كان يسكن مدينة الكوفة،
فكنا نعلم ببرنامج السيد الحكيم يومياً،
فكنت أنا ومجموعة من الشباب المقربين للسيد
نلتقيه في أوقات خاصة ومنها في أوقات الفجر
بعد صلاة الصبح، فكان يخرج من بيته المحاذي
إلى نهر الفرات قرب مشروع الماء في مدينة
الكوفة، وقد عُمل له مدرج مخصص شبه سلم
صغير ينزل منه إلى أطراف نهر الفرات ويضع
رجليه بالماء ويستجم في ذلك، فكنا نستغل
هذا الجو الهادىء مع سماحة السيد محسن الحكيم
لنستفيد من توجيهاته ومواعظه وأذكر جيداً
كان رحمه الله حريص على اللقاء بنا من دون
حرج، حتى أتذكر عندما كان يقف خادمه بقربه
ونحن جالسين يقول له ( أذهب إلى البيت فنحن
هنا )، وكان رحمه الله يعرفنا ويسمينا بأسمائنا،
وكان معي من الاخوة الذين عاصروا سماحة
السيد، الشهيد الأستاذ عبدالهادي عبود
سلمان، والشهيد عبد هادي راضي الحمداني،
والمرحوم الأستاذ جبار شفيع، وكنا أيضاً
نلتقي سماحة السيد عند بيت المرجعية ( البراني
) الملتقى العام في منطقة العمارة في النجف
الأشرف، وكان سماحته له ثقة عالية بالشباب
المتدين الواعي، حتى أذكر أن قسم كبير من
وكلائه كانوا من الأسرة التعليمية ويرتدون
الزي العادي ( أفندية ) أضافة إلى الروحانيين
المعممين، وقد رعى الشباب رعاية خاصة،
ونشأت الحركة الإسلامية برعايته، هذا ماأذكره
بأيجاز عن ذكرياتي للأيام التي عشتها بأجواء
مرجعية السيد محسن الحكيم طاب ثراه. وهكذا
حتى يوم وفاته رحمه الله، وفي ذلك اليوم
الحزين اذكر أني ذهبت إلى بغداد للأشتراك
بموكب تشييع المرجع الحكيم، فوجدت الموكب
على جسر الخر في بغداد، فأومىء لي نجل المرجع
الحكيم آية الله السيد علاء الحكيم عندما
وجدته هناك، وإلتقيته حينها فركبت معه
في سيارة خصصت لأولاد السيد كي تسير خلف
موكب التشييع ، وسار الموكب متجهاً وقاصداً
مدينة كربلاء، مروراً بمنطقة المسيب، وكانت
مواكب العشائر المعزية تلتحق بالموكب الكبير،
حتى وصلنا كربلاء، فترى كربلاء في ذلك اليوم
غصت بجموع الناس الغفيرة، ويوحي لك المظهر
أن فيها مناسبة يوم الأربعين من شدة الأزدحام
والأعداد الغفيرة في الموكب، فبقى جثمان
السيد في كربلاء حتى صباح تلك الليلة، ثم
أنطلق الموكب عائداً إلى النجف، وفي بداية
الدخول إلى النجف أُنزل الجثمان من على
السيارة التي تسير به، ليتم التشييع سيراً
على الأقدام، إلى أن أوصلوه جامع الهندي
في منطقة ( الحويش )، حيث دفن الجثمان الطاهر
للمرجع الحكيم هناك، وأذكر هنا أيضاً أن
كثير من الشباب كان نصيبهم الاعتقال والمسائلة
بسبب أشتراكهم بموكب تشييع السيد ولما
كان لهم من نشاط واضح أثناء التشييع، وأستغلالهم
لذلك الموكب الضخم بأطلاق شعارات هادفة،
وهتافات تنتقد سياسة السلطة الجائرة، وأذكر
وقتها ذهب الشيخ كاظم الحلفي إلى مديرية
شرطة المسيب ومديرية شرطة النجف، وطلب
منهم الأفراج عن الشباب المعتقلين بسبب
أشتراكهم بموكب تشييع جثمان السيد الحكيم،
فأوعدوه بأخراجهم ولكن لم يحصل ذلك وقتها. كما أذكر
من المراجع الذين لهم فضل علينا الفيلسوف
المرجع آية الله العظمى الشيخ عبدالكريم
الزنجاني الذي كان يسكن في منطقة ( الحويش
) في النجف الأشرف، قرب جامع الهندي في بيت
صغير جداً يتكون من ثلاثة غرف، غرفة واحدة
في أسفل البيت، وأثنان في الطابق العلوي،
فكان يجعل من الطابق
العلوي مجلس لطلابه وضيوفه ( براني )، وأسفل
بيته لعائلته وحياته الخاصة. ومن المعروف
عن سماحة الشيخ الزنجاني انه فيلسوف عصره،
فكانت الشباب تستفيد منه كثيراً من خلال
محاضراته والجلسات العامة معه، ومن مؤلفاته
أيضاُ، وأذكر للتأريخ ومن باب الأنصاف
أن مرجعية الشيخ الزنجاني تعرضت لمظلومية
كبيرة، ولايسعني أن أذكرها على هذه الصفحات
وأترك هذا للباحثين. وأذكر
من ذكرياتي مع الشيخ الجليل أني كنت أقصد
زيارته في ليالي الجمع، وأجلس في مجلسه،
وأستمع لحديثه وأستفيد منه، وأذكر من صفات
هذا الأنسان أنه ثاقب الرؤية، وكانت شخصيته
تمتاز بالزهد والتواضع الواضح، ومن أراد
أن يتعرف على شخصية هذا المرجع المظلوم
أنصحه بقراءة كتاب رحلة الأمام الزنجاني
وخطبه وأسفاره لمؤلفه محمد الدفتر، وهذا
الكتاب يتألف من جزءين، ومن المرجعيات
التي عاصرتها ونهلت من عطائها مرجعية آية
الله العظمى السيد محمود الشاهرودي، ومرجعية
آية الله العظمى السيد أبو القاسم الموسوي
الخوئي، ومرجعية آية الله العظمى السيد
محمد باقر الصدر، تلك المرجعية الرائدة
التي غذتنا بعطائها الفكري، حيث كنا نلتقي
بالمرجع الصدر ونستفيد منه ونستنير بنور
فكره، ومن المرجعيات التي عشنا بأجوائها
مرجعية آية الله العظمى السيد محمد حسين
فضل الله، التي عاصرتها وعايشتها طيلة
ستة سنوات متواصلة، وعملت بأجواء مرجعيته،
وهكذا نهلنا من تلك الاجواء الإيمانية
والروحانية والفكرية الشيء الذي جعلنا
في هذه الإستقامة وفي هذا المستوى الذي
نرجوا به غفران الله وعفوه.
ذكريات
الأعتقال والسجن: بتأريخ
10 / 8 / 1971 مـــ وفي تمام الساعة التاسعة
صباحاً تم أعتقالي من قبل أجهزة الأمن في
مدينة النجف الأشرف والذي قادني إلى مديرية
أمن النجف أنذاك المفوض عبدالعظيم سعد
راضي، فدخلت مديرية أمن النجف وأنزلوني
إلى السرداب وهناك رأيت أمامي الشيخ كاظم
الحلفي، والعلامة الشيخ مجيد الصيمري،
والعلامة السيد مجتبى علي بهشتي، والأستاذ
حسن كريم الكوفي، والمهندس غياث باقر مرزة،
والأستاذ عبدالله فضل جاسم التميمي، والأخ
عبد الرضا حميدي، والأخ عبدالحسن حميدي،
والأستاذ محمد جواد الأعسم، والأستاذ عبدالهادي
عبود، والأخ عباس عبد شناوة، والأستاذ
محمد جواد مظفر، والأستاذ عبد الواحد أبراهيم
الفحام، والأخ السيد علي بهية، والأستاذ
عبد الوهاب جودة حسن المحنة، والأستاذ
عبدالجواد عباس، والأخ محمد حسين مسلم
الجابري، والأخ محمد غني عبود، والأستاذ
عبد الواحد أبراهيم الفحام، حيث بدأ التحقيق
معنا وإستمرت أساليب التعذيب اللأنساني،
حتى تم تحويلنا أنا والمجموعة أعلاه من
الاخوة الذين ذكرتهم إلى الشعبة الخامسة
في مديرية أمن بغداد وألتقيت هناك بأخ آخر
لنا وهو الأستاذ مصطفى عبدالمجيد، كما
كانت الشعبة الخامسة في أمن بغداد تختص
بتعذيب الإسلاميين وأستجوابهم ومكافحتهم،
وأخيراً نقلونا إلى معتقل الفضيلية، حيث
هذا المعتقل خارج مدينة بغداد، وبقينا
هناك حوالي ثلاثة أشهر مع أستمرار التعذيب،
وعند دخولي إلى هذا المعتقل ( معتقل الفضيلية
) وجدت كثير من المعتقلين ومن أصحاب التوجهات
المختلفة من الشيوعيين والقوميين والبعثيين
اليساريين ومن الحزب البارتي ومن الأكراد
أيضاً، حيث كان المعتقل يغص بالمعتقلين،
وأذكر أن مدير المعتقل شخص كردي يدعى عثمان. بعد بقائي
في هذا المعتقل لمدة مايقارب ثلاثة أشهر
تم تحويلي ومن معي من الاخوة إلى محكمة
الثورة في بغداد، ( سيئة الصيت ) التي كانت
برئاسة الحاكم عبد الكريم أبراهيم النجار،
ووضعوني في قفص الأتهام ومعي تلك الكوكبة
الصالحة، وأذكر حينها أخذ الحاكم المذكور
يناقش أحد الإخوة المعتقلين معي وهو الأستاذ
عبد الهادي عبود سلمان، ذلك الشاب المؤمن
الصلب، حيث سأله الحاكم قائلاً ( من أنتم؟،
وما أنتم؟ ) وكان سؤاله بطريقة أستهزاء
وأستفزاز، فقال له أخينا عبد الهادي عبود
( نحن فتية أمنا بالله ربا، وبالإسلام دينا،
وجئنا لأصلاح الأمة وأصلاح الحاكمين ) فقام
رئيس المحكمة من كرسيه وأخذ يضرب بيده على
طاولة المحكمة، وقال لنا ( أخرجوا جميعاً
لأنتظار المناقشة )، ثم أعيد بنا بعد فترة
المناقشة للمحكمة، وعندها تلى قرار الحكم،
وأخذ يوزع الاحكام بالتقسيم العشوائي (
من هنا إلى هناك سنة، ومن هنا إلى هناك ثلاثة
سنين ) وهكذا وكأنها مهزلة وليست محكمة،
بعدها أخذونا إلى معتقل أبو غريب ( سجن أبو
غريب السيء الصيت ) في قــ 2 جناح السياسيين
للأحكام الخفيفة، فبقيت في ذلك المعتقل
فترة محكوميتي وهي سنة واحدة، فوجدت في
ذلك السجن أربعة حكومات للعراق، أشخاصها
معتقلين معنا، وأذكر منهم عبد الجليل العبيدي
مستشار عبد السلام محمد عارف يحمل رتبة
لواء وقد شغل منصب مدير الامن العام، وغانم
العقيلي مدير شركة النفط الوطنية، شقيق
عبد العزيز العقيلي وزير الدفاع، وإسماعيل
خير الله وزير خارجية العراق، وزيدان النعيمي
قيادي في حركة القوميين العرب، ونجدي مدير
مصرف الرافدين في الناصرية قيادي في الحزب
الشيوعي، وصعب الحردان آمر
موقع بغداد ومدير أمن نكرة السلمان سابقاً،
وعلي الخياط صحفي وإعلامي، كل هؤلاء سجناء
سياسيين ولكن تنكيلاً بهم أيدت المحكمة
بقرار الحكم عليهم أن جرائمهم جرائم مخلة
بالشرف، حيث كانوا قبلنا في المعتقل، وعند
دخولنا عليهم حاولوا أن يفهموا منا نوع
الحكم علينا من قبل المحكمة، بعد أن علموا
أن الحكم علينا سببه جنحة سياسية غير مخلة
بالشرف بناءاً على أنتمائنا إلى حزب الدعوة
الإسلامية الغير مجاز رسمياً، وكما ثبت
ذلك في قرار الحكم علينا، فأستغربوا وأندهشوا
لذلك كثيراً، ومن أراد أن يطلع على قرار
الحكم هذا يجده في كتاب سنين الجمر لمؤلفه
علي المؤمن، أو في كتاب الوثائق لحزب الدعوة
الإسلامية لمؤلفه السيد الخرسان، أو في
كتاب المواجهة الصادر عن المركز الإسلامي
للأبحاث السياسية. فقضيت
تلك الأيام في ذلك السجن المشهور بصيته
السيء ( سجن أبو غريب ) في بغداد، وبعد خروجي
من الأعتقال بقيت المتابعة الأمنية، ومنعت
من السفر لمدة عشر سنوات، وبقينا تحت المراقبة
والأستدعائات المتواصلة، وهكذا كنا نعيش
أضطهاد واضح وكبت لأفكارنا، وكل من عاش
تلك الفترة يعي تفاصيلها جيداً.
ذكريات
أيام الأنتفاضة الشعبانية العراقية عام
1991: بعد خروجي
من الأعتقال وإلى ما قبل حدوث الأنتفاضة
المباركة بقيت في مضمار العمل الذي يتطلب
الحيطة والحذر والدقة والهدوء خشية أن
يفتكوا بنا من جديد أزلام السلطة أنذاك
فهم معروفون بعدائهم لمن يحمل أفكار الوعي
والتدين، وهكذا تمر الأيام وتطوى السنون،
حتى ذلك اليوم الذي هو بلسم الجراح، اليوم
الذي جعل من صدام ونظامه هزيلاً إلى أن
سقط هاوياً، وفي يوم الخامس عشر من شهر
شعبان المبارك، في عام 1991 مــ صرخت حناجر
الأحرار بسقوط النظام الجائر الدكتاتوري،
وأنتفضت محافاظات العراق قاطبةً وإستمرت
الأنتفاضة قرابة الخمسة عشر يوماً، فكانت
ومازالت صفحة من صفحات تأريخ العراق الذي
يتغنى به المخلصين من ابناء البلد، وأذكر
هنا وفي هذا الفصل تلك الأيام المباركة
التي شهدتها في مدينة الكوفة المقدسة،
فكانت بدايتها أفراد معدودين من منطقة
السكة في الكوفة، حتى شارع الجسر، وبعد
تجمع غفير من الناس أتجهت مسيرتهم، حتى
ألتقت هذه المسيرة بمسيرة جماهيرية أخرى
قرب محطة وقود الكوفة، وتزايدت جموع الناس
وأصبح الموقف واضح، فأخذت المجاميع من
الشباب والثوار يتجهون إلى مراكز الأمن
والسلطة في المدينة لتسقط بأيديهم ويسيطروا
عليها، وأذكر من تلك الأماكن التي أستمرت
المواجهة فيها إلى قرابة الثمانية ساعات
بين الثوار وأزلام الأمن في معقل حزب السلطة
في حي 17 تموز بمدينة الكوفة، فتجمع الثوار
وأبلوا بلاءاً حسناً حتى أن الثوار جائوا
بدبابة من أحدى معسكرات الجيش وقادوها
حتى وضعوها أمام المنظمة الحزبية في الحي
المذكور وأستخدموها في رمي المنظمة، حتى
سقطت بأيدي الثوار، وهرب من هرب من أزلام
النظام، وقتل من قتل بالمواجهة وبعد ذلك
أستمرت الأنتفاضة بالمدينة، وسادت الفوضى
الشعبية في المدينة، وأنتهكت بعض الأماكن
التي تعتبر ملك للشعب، وبدأ الهيجان الشعبي
حينها، وفي تلك الأيام وبأعتبارنا أشخاصاً
متدينين والحمد لله، ولنا باع طويل بالعمل
الثقافي والأجتماعي، فأردنا أن نعرف ونحدد
واجبنا الشرعي في ذلك الظرف، فجلست أنا
ومجموعة من المخلصين في بيت أحد الاخوة
الأعزاء واخذنا نتداول الوضع ونناقشه،
فخرجنا بمحصلة أن نستفهم من سماحة المرجع
الكبير آية الله العظمى السيد
أبو القاسم الموسوي الخوئي رحمه الله،
فذهب لسماحة السيد أحد الأخوة من تلك المجموعة
أنذاك، وبعدها أصدر سماحته بيان إلى أبناء
أهالي مدينة الكوفة يجده القارىء في حقل
الوثائق في هذا الموقع، ويتضمن هذا البيان
توجيه الناس وأرشادهم إلى مافيه أمن وحفظ
الأرواح، والحفاظ على ممتلكات الشعب والهدوء
والتصرف بتصرف صحيح الذي يعطي صورة ناصعة
عن الألتزام بالمبادىء الإسلامية، هذا
فحوى ماتضمنه البيان، كما ضم هذا البيان
أسماء اللجنة التي كلفها السيد بإدارة
شؤون المدينة أنذاك، وفعلاً هكذا تصرفنا
بماهو واجب علينا وأدينا ماعلينا في تلك
الفترة، وأذكر في هذا المجال بعض من لهم
فضل بالمشاركة والوقوف إلى جانب الثائرين
ودعمهم مادياً ومعنوياً ومنهم سماحة العلامة
المجاهد الشهيد السيد حسن بن السيد موسى
بحر العلوم، ونجله الشاب الشهيد السيد
أحمد بحر العلوم اللذان أستشهدا على يد
أزلام النظام بعد قمع الأنتفاضة، وكما
أذكر الأخ وبن العم الدكتور ناصر محمد الموسوي(
طبيب أسنان ) الذي وقف وقفة الأبطال في تلك
الأيام وأدى واجب إنساني وإسلامي ودعم
الثائرين بكل مايستطيع فذهب شهيداً على
أيدي أزلام النظام بعد قمع الأنتفاضة أيضاً،
وأذكر من مدينتي ذلك الشاب المجاهد مضر
يوسف علوة، الذي ذهب شهيداً، والشاب المجاهد
علي محمد حبيب الجبوري الذي أستشهد أثناء
مواجهته إلى أزلام النظام في المدينة،
كما أذكر أخي الوحيد وقرة عيني المجاهد
الشهيد السيد علي السيد جبار الموسوي (
أبو حسين ) الذي ذهب شهيداً بعد قمع الأنتفاضة
وأعتقاله، حيث كان ناصراً وعوناً للثائرين،
فساعدهم في جلب الأرزاق أليهم ومدهم بوسائل
النقل من السيارات، حيث كان رئيس قسم النقليات
في معمل أسمنت الكوفة، فاعتقلوه بعد قمع
الأنتفاضة وغُيب في سجون النظام حتى أستشهد
فيها، وكذلك إبن شقيقتي السيد عادل الفحام،
الشاب المتدين الذي شارك بالأنتفاضة والذي
أبلى بلاء حسناً، وأصيب بجرح في بطنه نتج
عن طلق ناري، ورغم هذا لم ينثني وواصل مسيرة
جهاده حتى قمعت الأنتفاضة وأعتقلوه أزلام
النظام أيضاً وغُيب في سجونهم حتى أستشهد
فيها، فلاقى مالاقاه خاله السيد علي السيد
جبار الموسوي رحمهم الله وهنيئاً لهم جنان
الخلد، وكثير من الذين ذهبوا وتوجوا بتاج
الشهادة، حيث أمتليت الحسينيات بجثث الشهداء
وأذكر كثير منهم دفنوا في حديقة مرقد السيدة
خديجة عليها السلام مقابل مسجد الكوفة،
فهنيئاً لتلك الأرواح الزاكية. وهكذا
عاد النظام الدكتاتوري بسيطرته من خلال
القمع والقتل، وأستخدام أساليب حرب الشوراع
حتى عاد النظام بفلوله ومسك زمام الأمر
بالمدينة، ودخل الجيش من بغداد ومن بابل
ومن كربلاء ليسيطروا على الوضع في النجف
والكوفة، وخرجوا الجرذان من أزلام النظام
من جديد وناصروا الحرس الجمهوري والجيش
وأخذوا يعطوهم ويساعدوهم بأسماء الذين
أشتركوا بالأنتفاضة وكان لهم دور واضح
فيها، وبعد ذلك بدأت حملات الأعتقال العشوائي
والقتل بالشوراع من دون تحقيق ولامحاكمة،
فملئت سجون النظام من جديد من أبناء الأنتفاضة
الشعبانية وأعدموا بالمئات من أبناء المدينة
فاضطررت في ذلك الوقت أنا وكثير من الناس
لأن أغادر المدينة، أنا وأولادي وبعض من
أبناء عمومتي بعد أن أخبرني ولدي السيد
جعفر الموسوي بأن الجيش بيده قوائم بالأسماء،
وأسمائنا وزعت بالمدينة ولصق قسم منها
على الجدران، وأخذ الجيش يدخل ويفتش بالبيوت،
عندها خرجت حفاظاً على أرواحنا وهذا مايحتمه
علي الواجب الشرعي، فتركت الدار وكل شيء
وذهبت مع أولادي متجهاً إلى ماهو آمن، حيث
إلى مدينة الديوانية وهناك بقيت مع أولادي
بضيافة عشيرة الخزاعل التي تربطنا بها
علاقة المصاهرة بأحد أبناء هذه العشيرة،
وهو الأستاذ ناصر الخزاعي الذي كان له دور
مشهود بالأنتفاضة الشعبانية المباركة
بمدينة الكوفة، والشيخ شاكر الخزاعي الرجل
الذي تربطنا به علاقة المصاهرة مع هذه العشيرة،
فبقيت بضيافتهم أيام معدودة ثم اتجهت مروراً
بالناصرية ثم البصرة، حيث أستقر بنا المطاف
في منطقة صفوان، حيث هناك تجمع من خرجوا
من المدن خشية بطش النظام بهم، وبقينا هناك
في منطقة صفوان قرابة العشرين يوماً، ومن
ثم إلى الكويت نقلتنا الطائرة الجابرية
الكريمة، وأذكر وقتها أن مطار الكويت مدرج
واحد والباقي حطام، وذلك ماخلفته أفعال
النظام وهمجيته ايام الاحتلال، واتجهت
بنا الطائرة إلى مطار مهراباد في طهران،
وتبدأ هناك رحلة الهجرة الطويلة التي يطول
المقام بنا بتفصيلها، وسأحاول جاهداً بتدوينها
لاحقاً.
ذكريات
الهجرة ومواقفها: بعد قمع
الأنتفاضة الشعبانية العراقية عام 1991 مــ
نتيجة المعادلات السياسية أنذاك، وبسبب
عناوينها الواضحة ونوايا الشعب الصادقة،
وبعد خروجنا من العراق أنا وأولادي والعائلة
وبعض من المتعلقين، بدأت بنا حياة الهجرة
ومعاناة أخرى، وبدأنا ندفع ضريبة الأصرار
على الطريق الحق، كل ذلك وهذا هو بعين الله
ومن أجل مرضاته. وبعد
أن دخلنا هذه المرحلة الجديدة التي
شاء الله أن يجعلنا من الشاهدين عليها،
لم يكن جو الأمن والأمان الذي عشناه يجعل
منا ساهين عن الهم الذي نحمله في عقولنا
وقلوبنا، هم الوطن والعودة له، فكانت محطات
الهجرة تشهد لنا بالشوق والأنشداد لبلدنا
وأهلنا ومتعلقينا، فكنا نترقب الأحداث
وعيوننا على الطريق، فبعد
أن مكثنا بالمهجر عدة سنين أستقر بنا المقام
ثانية في دمشق الشام، لنعيش مرحلة أخرى
من مراحل الهجرة، وبعد سنين ليست بالقليلة
أستقر بنا المقام أيضاً في شمال الولايات
المتحدة الأمريكية، وهكذا أستمرت الهجرة
بنا. ولايفوتني
أن أذكر أن نشاطاتنا وفعالياتنا بفضح وكشف
سياسة النظام الجائر من خلال وسائل الإعلام،
ومن خلال المؤتمرات واللقاءات والأحتفالات،
كان لها الدور الكبير في توضيح الصورة للمجتمع
الدولي والأنظمة الدولية عن سياسة النظام
الجائر في العراق وسياسته الداخلية، وهذا
الأسلوب والمنهج هو من الأسباب التي لا
يستهان بها، جعلت من رأس النظام وسياسته
معروف لدى الجميع، وهكذا حتى أحترقت ورقة
النظام، واُسقط ذليلاً، وبقي العراق وشعبه
رغم معاناته وألامه يرفل بثوب العزة والصمود
والكرامة.
ذكريات
من أيام العودة إلى الوطن: بعد أن سقط النظام ورأسه الدكتاتوري في ذلك اليوم التأريخي في اليوم التاسع من أبريل عام 2003 مـــ .
فرح الشعب
فرحة لاتوصف رغم الأذى والألم الذي أصابه
نتيجة تفاصيل طويلة يعلم بها الجميع، وبعد
ذلك اليوم كانت عيوننا مشرأبة إلى العودة،
وقلوبنا تهفوا إلى الوطن، وكنا نترقب العودة
بأقرب فرصة ممكنة، ألا أن الظروف بقية أقوى
من الأمنيات، فمازال البلد يعيش حالة الأضطراب
وقتها، إلا أن الشوق للبلد والأهل جعل بيننا
وبين مشاهدتنا للظروف غشاوة، فقرننا أن
ندخل العراق لنجدد العهد مع الأرض والأهل. فدخلت
العراق بعد سقوط النظام بأشهر وشممت عبير
الوطن، وألتقيت بالأهل والمحبين والأصدقاء،
كما ألتقيت مع وجوه وشخصيات مدينتي، حيث
لم تغيرهم الأيام ولاطول السنين، فمازالوا
يكنون لنا الود والأحترام، ورأيت الطيب
العراقي في نفوس من أعرفهم، فترى في وجوه
أبناء المدينة كل الطيب والشهامة والأخلاق
رغم كل المعانات والألام، حيث يعلم الجميع
أن الظروف القاسية من الممكن أن تغير في
نفسية الشخص وطبيعته، إلا أن أهلنا هم الأصلاء
بعاداتهم وتقاليدهم وأخلاقهم، فكانوا
ومازالوا يحتوون المحن والصعاب بصبرهم
وأيمانهم وتوكلهم على الله. وقد قضيت أشهر مع الاهل وأبناء المدينة وأوعدتهم بالعودة، وأوفيت وهكذا وعدتهم مرة أخرى بالعودة القاطعة أن شاء الله، التي تقطع وتفصل بين الهجرة والعودة للبلد، لتطوى أيام الهجرة الطويلة وتبقى في ملف ذكرياتنا تطرز تأريخنا المشهود لأجيالنا جميعاً. |